عبد الوهاب الشعراني
192
القواعد الكشفية الموضحة لمعانى الصفات الإلهية
من عباده حقيقة إلّا بالكون ، ولا يصحّ لأحد أن يكون « 1 » غنيّا عن جميع المخلوقين عامّة ، إنّما يصحّ الاستغناء عن مخلوق ما بغيره فقط ، فقول بعضهم : " فلان قد استغنى باللّه واستراح " جهل بحقيقة الأمر ؛ إذ الحقّ - تعالى - من حيث ذاته لا يصحّ الاستغناء به ، كما بسط الشّيخ الكلام عليه في الباب الخامس والعشرين ومائة « 2 » ، فاعلم ذلك وتأمّله ، فإنّه نفيس ، ونزّه الحقّ - تعالى - « 3 » عن كلّ ما نزّه عنه نفسه ، والحمد للّه ربّ العالمين . [ توهّم حلول الحقّ واتّحاده بالخلق ] وممّا أجبت به من يتوهّم في فهمه السّقيم في الحقّ - تعالى - حلولا واتّحادا بخلقه : اعلم يا أخي أنّ اللّه - تعالى - واحد لا شريك له ، ومقام الواحد يتعالى أن يحلّ فيه شيء ، أو يحلّ هو في شيء ، أو يتّحد بشيء ، ولمّا أحدث اللّه - تعالى - العالم لم يحدث بابتداعه في ذاته حادث ؛ إذ ليس هو محلّا للحوادث ، فلا تحلّه الحوادث ولا يحلّها ، ويقال لمن قال : أنا اللّه : إن كنت صادقا ، فادفع الموت أو شيئا من الآفات عن نفسك ، أو أطلق بولك إذا حبس ، أو أطلع لنا النّيل ، أو أنزل لنا المطر مستقلّا بلا سؤال لربّك ، فإنّه تندحض حجّته ، ويعرف أنّ جميع ما فهمه طول عمره من كلام العارفين فهم سقيم . [ منع الشّيخ محيي الدّين مفهوم الحلول والاتّحاد ] وقد صرّح الشّيخ محيي الدّين بن العربيّ بمنع الحلول والاتّحاد في نحو مائة موضع من " الفتوحات " ، فقال في الباب الثّالث من " الفتوحات " « 4 » : اعلم أنّه ليس في أحد
--> ( 1 ) " ك " : العبارة : " ولا يصح أن يكون أحد . . . " . ( 2 ) عنوان هذا الباب " في معرفة مقام ترك الصبر وأسراره " . انظر : الفتوحات المكية ، 3 / 312 . ( 3 ) " ك " ، " ز " : " سبحانه وتعالى " . ( 4 ) عنوان هذا الباب " في تنزيه الحق تعالى عما في طي الكلمات التي أطلقها عليه سبحانه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى اللّه عليه وسلم من التشبيه والتجسيم ، تعالى اللّه عما يقول الظالمون علوا كبيرا " ، انظر : الفتوحات المكية ، 1 / 144 ، وفيه يقول : " فارتفع المعقول عن المحسوس بهذه المنزلة ، وهي التنزه أن يدرك بذاته ، وإنما يدرك بفعله ، . . . ، لأن ذاته غير مدركة لنا فتشبه المحسوس ، ولا فعلها كفعل اللطيف فيشبه اللطيف ، لأن فعل الحق تعالى إبداع الشيء لا من شيء ، واللطيف الروحاني فعل الشيء من الأشياء ، فأي مناسبة بينهما " . انظر : الفتوحات المكية ، 1 / 146 .